لو جورنال دو ديمانش: موت حلف الناتو فرصة لأوروبا للتخلص من التبعية للولايات المتحدة

بعد تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي "الناتو"، اعتبرت صحيفة "لو جورنال دو ديمانش" الفرنسية، أن الحلف يمر بمرحلة مفصلية قد تعيد تشكيل موازين القوى داخل أوروبا، وقد تفتح الباب أمام تغيير استراتيجي غير مسبوق في بنية الدفاع الأوروبي، وفرصة جيدة للتخلص من التبعية الأوروبية للولايات المتحدة.


وتحت عنوان "الدفاع ماذا لو كان موت حلف الناتو فرصة لأوروبا"، قالت الصحيفة الفرنسية، إنه في ظل ما يعانيه الحلف من هشاشة بسبب الشكوك الأمريكية والانقسامات الداخلية، يتأرجح حلف شمال الأطلسي (الناتو).


وأوضحت الصحيفة الفرنسية، أن الأزمة الأخيرة وهي الرفض الأوروبي، لدعوة الرئيس الأمريكي لتشكيل تحالف دولي لفتح مضيق هرمز بالقوة، تحمل في طياتها فرصة تاريخية، بدفع أوروبا إلى التحرر من تبعيتها الاستراتيجية وبناء قوة دفاعية مستقلة حقيقية.


وأكدت الصحيفة الفرنسية، أن منظمة حلف شمال الأطلسي تأسست عام 1949، على أنقاض ما كانت لا تزال آثاره ساخنة من الحرب العالمية الثانية، وظلت لعقود طويلة تمثل درع الغرب، موضحة أنها تقوم على وعد بسيط ومروع في آنٍ معًا، وهي مبدأ المادة الخامسة، الذي ينص على أن أي هجوم على دولة عضو يعد هجومًا على الجميع.


ووفقاً للصحيفة الفرنسية فإنه "لم تكن هذه القاعدة مجرد نص قانوني، بل كانت فعل إيمان، مضيفة أن أوروبا منحت ضمانة أمنية، وجذبت إلى فلكها الدول التي تحررت من الهيمنة السوفيتية، الساعية إلى الحماية بقدر سعيها إلى الانتماء.


وأوضحت الصحيفة أن هذا البند، أكثر من كونه آلية قانونية، كان بمثابة فعل إيمان. فقد منح أوروبا ضمانة أمنية، وجذب إلى فلكه الدول التي تحررت من الهيمنة السوفيتية، المتعطشة للحماية بقدر تطلّعها إلى الانتماء.


ورأت "لوجورنال دو ديمانش" أن هذا الإيمان بدأ يتزعزع، ليس بفعل ضربات عدو خارجي، بل بفعل تصريحات الطرف الذي كان لوقت طويل ضامنه الأساسي.


وقالت إنه من خلال تهديده مجددًا بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي، ووصفه إياه بأنه "نمر من ورق" مكلف للغاية بالنسبة للولايات المتحدة، لا يكتفي دونالد ترامب بإثارة حلفائه، بل يمس جوهر الحلف نفسه، موضحة أن قيمة أي تحالف عسكري تقاس بمدى مصداقية التزامه. فإذا تسلل الشك، وأصبحت التضامنات مشروطة، فإن البنيان، مهما بدا متينًا، يبدأ في التصدع".


ووفقاً للصحيفة الفرنسية فإن التطورات الأخيرة لم تؤدِّ إلا إلى تسريع هذا التآكل، موضحة أن رفض الأوروبيون كشف الانخراط في مواجهة مع إيران، اتُخذ قرارها دون مشاركتهم، عن شرخ عميق يتمثل في تباعد المصالح الاستراتيجية.


وتساءلت الصحيفة الفرنسية: "كيف يمكن فرض تضامن تلقائي في نزاعات لا يتحكم الأطراف المعنيون بها في أسبابها أو أهدافها أو مشروعيتها؟"، موضحة أنه "من وراء امتعاض واشنطن، يبرز سوء فهم أعمق: أوروبا لم تعد ترغب في أن تكون الذراع العسكرية لقرارات لا تملك زمامها".


وأوضحت "لوجورنال دو ديمانش" أن الحقيقة تفرض نفسها، وإن ظل البعض مترددًا في تسميتها، مشيرة إلى أن حلف الناتو، بصيغته التي عرفناها، أصبح ينتمي إلى الماضي، ليس بالضرورة أنه سيختفي رسميًا، لكن روحه قد تلاشت، وما يراه البعض تهديدًا قد يشكل، بالنسبة لأوروبا، فرصة تاريخية.


ورأت الصحيفة الفرنسية أنه إذا انكفأت الولايات المتحدة، أو حتى أبدت ترددًا، فلن يبقى أمام الدول الأوروبية ترف الاعتماد عليها، مضيفة :" بل يتعين عليها أخيرًا أن تنظر إلى نفسها كقوى فاعلة، لا عبر ذوبان فدرالي يمحو خصوصياتها، بل من خلال تحالف بين دول ذات سيادة مصمّمة على ضمان أمنها المشترك: "أوروبا أمم الدفاع".


وأضافت الصحيفة الفرنسية أن أوروبا عاشت طويلًا على وهم سلام يضمنه "الأخ الأكبر" الأمريكي، لكن اليقظة جاءت قاسية. فلم يعد رفع ميزانيات الدفاع خيارًا، بل ضرورة وجودية.


- قوة البنك الأوروبي

وأضافت: "ربما تتمكن هذه المرة من الارتقاء إلى مستوى اللحظة التاريخية، موضحة أن البنك المركزي الأوروبي يمكن أن يتحول إلى أداة قوة عبر المساهمة في تمويل واسع لجهود الدفاع في القارة، ليس لدعم صناعة مجردة، بل لتسليح الدول الأوروبية فعليًا، بدءًا بتلك التي تمتلك بالفعل قدرات عسكرية راسخة، مثل فرنسا".


وأوضحت أن القوة لا تبنى بالتمويل وحده، بل عبر خيارات صناعية وسياسية، لافتة إلى أنه "من غير المنطقي اليوم أن تواصل دول أوروبية شراء أسلحة بكثافة من الولايات المتحدة، ما يضعف قاعدتها الصناعية والاستراتيجية".


- الاعتماد على الصناعات الأوروبية

ورأت الصحيفة الفرنسية، أن لجوء دول مثل ألمانيا أو الدنمارك إلى الخارج لاقتناء ما تستطيع فرنسا إنتاجه، لا يعكس منطقًا اقتصاديًا بقدر ما يعكس تخليًا سياسيًا. إن إقرار أولوية أوروبية في هذا المجال شرط أساسي لتحقيق الاستقلال الحقيقي.


ورأت أنه ينبغي تصميم هذه المنظومة بواقعية، موضحة أنه "الهدف ليس إذابة السيادات في كيان فوق وطني، بل تنسيقها، وعلى غرار القيادة المندمجة للناتو في السابق، التي انسحبت منها فرنسا في عهد شارل ديجول لتأكيد استقلالها، يتعين ابتكار آليات مرنة تحترم الدول وتضمن الفعالية".


واعتبرت الصحيفة الفرنسية أن التحدي الحقيقي، هو بناء قوة دون التفريط في الحرية، ورفض كلٍ من التبعية والذوبان. أي تحويل أوروبا من مجرد فضاء محمي إلى فاعل استراتيجي كامل.


وتابعت: "أحيانًا يحمل التاريخ مفارقات مثمرة، فأن يدفع دونالد ترامب، بتصريحاته الحادة وتهديداته، أوروبا نحو نضجها الاستراتيجي، قد يكون أحد هذه المفارقات"، مشددة على ضرورة اغتنام الأوروبيين هذه الفرصة، لأن الدول التي لا تمسك بزمام مصيرها، تجد نفسها في النهاية خاضعة له".