تحقيقات

زراعات القصب بين حلاوة السكر وآبار الجرائم المتخفية بين أوراقه في قنا

كتب: عبد الرحمن الصافي ومنى أحمد

تعد زراعة القصب في محافظة قنا والتي تمثل أكثر من ثلث المساحات المنزرعة في الصعيد، موسم الخير على المزارع وعلى العاملين فيه نظرا لفوائده المتعددة ليس على الإنسان فقط بل عليه وعلى الحيوان، لاستخدامه علفا للمواشي، حيث تمثل زراعات القصب في قنا 50% من مساحة الأراضي الزراعية و37% من إجمالي المساحات المنزرعة على مستوى الجمهورية، وتبلغ المساحة المنزرعة بجميع المراكز 120 ألفا و480 فدان من إجمالي مساحة الأراضي المنزرعة بالمحافظة.

واشتهرت محافظات الصعيد على وجه العموم، وقنا على وجه الخصوص، بطبيعة خاصة ترسخت في عقول وأذهان الكثيرين ممن لم يزوروها، ولكن كما نقلتها شاشات التلفاز، إلا أن تلك الصورة أصبحت فيما بعد، كما رصدتها الشاشات عبر الأفلام، تعبر عن الجرائم، بعد أن اتخذ المجرمون منها مسرحا لتنفيذ رذائلهم، فتحولت الزراعات والخلاء إلى مسارح وحشية، اعتقد المجرمون أنها بئرا عميقا لدفن أسرارهم الإجرامية، إلا أن الطبيعة رفضت مشاركتهم، وأبت إلا أن تُكشف حقيقتهم.

وزراعات القصب قد تكون مصدر الرزق الوحيد لكثير من الفلاحين بالقرى، وهي بالنسبة لهم مصدر الخير، فالقصب تعتمد عليه صناعات كبرى ومصانع عملاقة، وأيد عاملة، تفتح بيوتا وترعى أُسرا كاملة.

وفي الآونة الأخيرة أصبحت زراعات القصب مسرحًا لارتكاب الجرائم بمختلف أنواعها لتتوارى خلف أوراقه جرائم من أبشع الجرائم كما أنها تعد من أهم أوكار الهاربين من تنفيذ الأحكام والخارجين عن القانون ليصبح نقمة بعد أن كان مصدرا لعموم الفرحة والبهجة بين المزارعين.

وقال مصطفى طه، إن زراعة القصب، كانت في الماضي محلا للهاربين وموطنا للمجرمين، إلا أن الأمر اختلف كثيرا هذه الأيام، فلم تعد كما كانت وإن كان هناك القليل من المناطق، مازال يسكنها المسجلون خطرا، ويعتبرونها مقرا لإدارة أعمالهم الإجرامية.

وتابع طه، إنه لا يمكننا أن نقلل من تلك الزراعات فهي تعد استراتيجية، ولكن هناك حلول اخرى وبدائل يمكن اتباعها، لمن تحول زراعات القصب إلى مسرح إجرامي.
.

وأشار إسلام علي، إلى أن هناك من يتخذ من، الهاربين، بين تلك الزراعات، موطنا له، بعد بناء كوخ صغير له، ويظل فيه عدة سنوات، إلى أن يشاء القدر له أن يخرج منه أو أن يموت فيه.

وذكر علي، أن طبيعة القصب وارتفاعه تجعل منه ساترا للمجرمين للتغطية على أفعالهم الإجرامية أو الابتعاد عن أعين الشرطة والمتربصين بهم، مشيرا إلى أن ذلك لا يكون غالبا إلا في المساحات الشاسعة.

“زرعة العاجز”.. هكذا يبرر “علي”، إقبال عدد من المزارعين على الإكثار من تلك الزراعة بسبب سهولتها، موضحا أنه يتم زراعة القصب مرة واحدة وجنى ثماره لأكثر من 6 أعوام، مشيرا إلى ما في ذلك من إجهاد للتربة، في حين أنه يساعد على تماسكها

وأكد علي، على أنه يجب وضع أبراج مراقبة، خاصة وسط المساحات الشاسعة من زراعات القصب، لمراقبة أي تحركات غير عادية ولكشف اختباء العناصر الإجرامية بها.

وقال عبد الرحيم رسلان، موظف، إن زراعات القصب يكثر خطرها مع بداية الخريف في شهر سبتمبر، حيث يرتفع القصب، وتكثر أوراقه، ليتوارى خلاها المجرمون، والهاربون، ويستوطنوها، مستغلين من الطبيعة وكرا لهم.

ولفت إلى أنه خلال فصل الشتاء يقل تردد المزارعين على زراعاتهم، خاصة ليلا، مما يتيح الفرصة للمجرمين لافتعال جرائمهم، أو الاختباء بين أوراق القصب.

وكشفت الأجهزة الأمنية بقنا غموض واقعة العثور على جثة شاب مقتولا ويدعى أحمد ف. ا، 27 عاما، عامل، ملقاة في زراعات القصب بقرية أبو دياب غرب، بدشنا، وبها طعنات نافذة وآثار ذبج في الرقبة، حيث أوضحت التحريات أن مرتكب الحادث صديق المجني عليه وذلك بعد أن ذهبا للتنزه بين الزراعات وطلب المتهم من المجني عليه ممارسة الشذوذ الجنسي، فرفض، وحاول الأول تنفيذ رغبته بقوة ولكن المجني عليه قاومه وهدده بفضحه وكشف ممارساته أمام أهل القرية فقام المتهم بطعنه عدة طعنات في الصدر والظهر والرقبة حتى لقي مصرعه لتِرتكب وسط الزراعات أبشع جريمة أخلاقية قبل أن تكن جنائية.

كما شهدت زراعات القصب مطاردة أمنية بعد اختباء أشهر عتاة الإجرام نوفل. س، وأفراد عصابته في الزراعات بعد مطارة معه في مناطق جبلية أدت الى إصابته ليلجا لزراعات القصب، ورغم هروبه إلا أنه تم محاصرته ليلقى مصرعه بعد تبادل لإطلاق النار مع الشرطة وإصابة عدد من معاونيه.

لم تنته جرائم القتل عند هذا الحد، بل إنها طالت شابا معاقا ذهنيا ويدعى يوسف. م. ق، في الثلاثينيات من عمره، بعد العثور على جثته مذبوحا وبه علامات كسور في رجليه داخل زراعات قرية دندرة بقنا بعد اختفائه 24 ساعة.

حسن حارس، حاصل على دكتوراة وماجيستير في علم النفس، أوضح أن ظاهرة ظاهرة القتل والاغتصاب بدأت تنتشر بالصعيد منذ حوالي 15عاما، ويرجع ارتكاب الجرائم في الزراعات بسبب حكم طبيعة البيئة الصعيدية وهي الزراعة، ولأنها أكثر أمانا لهم فلا يراهم أو يسمعهم أحد وبعيدة عن الأنظار وذاك بعكس محافظات الوجه البحري، حيث تتركز جرائمهم في الأماكن اادلمهجورة.

وتابع حارس، أن تلك الحوادث بدأت كحوادث فردية حتى توسعت نتيجة لفقدان الكبير دور كبير العيلة والقرية والعمدة، إضافة إلى زيادة نسبة البطالة، لافتا إلى انتشار الظاهرة في الوجه البحري أكثر من الصعيد ولكن الأنظار تسلطت على الصعيد لأنها عادة دخيلة تواجدت بشكل تدريجي ومنافي لعاداته وتقاليده وقيمه وأخلاقه، نتيجة لتهميش الصعيد الذي أدى إلى السلوكيات السيئة، ونتيجة للظروف الاقتصادية الصعبة.

وأضاف حارس، أننا أصبحنا نرى انفتاح على المجتمع بممارسة الحرية دون حساب الآخرين أو العادات، لافتا إلى عدم الاهتمام بالتربية واختصارها في المأكل والمشرب فقط دون مراعاة الجوانب النفسية.

ومن جانبه قال الدكتور محمد رفعت، مدير مركز العلوم النفسية PSC، لـ”أخبار قنا” في محاولة لتفيسر تلك الجرائم إن النفس البشرية تعد من أعقد الموضوعات التي تناولها العلماء وما يصدر عنها من سلوكيات وأقوال وأفعال، حتى الهفوات والزلات، مشيرا إلى أن السلوك الإجرامي هو نتاح لصراع كبير وكبت لدى الشخص، لم يستطع حله بطريقة سليمة، لذلك استخدم سلوكا منافيا للمجتمع وأخلاقياته؛ للتنفيس عن ذلك الصراع وتلك الرغبات المكبوتة.

ويرى جفري يونج، أحد علماء علم النفس، في نظريته عن المخططات اللاتكيفية المبكرة، أن ما يتعرض له الإنسان في مراحل العمر المبكرة في الطفولة، عامل رئيسي في تشكيل السلوك الإجرامي، فعندما ينشأ الطفل في ظل أسرة تتسم بالبرود العاطفي، والحرمان، والقهر، وكبح الرغبات والاحتياجات، والحب المشروط، أو التدليل الزائد، وعدم وضع حدود وضوابط للسلوك، فإن كل هذه المماراسات تصبح عاملا أساسيا في تكوين ونشوء الاضطرابات النفسية، واضطرابات الشخصية، والسلوك المنحرف، فتخرج لنا شخصا يعاني القلق والصراع النفسي، أو يعاني حب الذات بشكل مبالغ فيه، أو شخصا معاديا للمجتمع، لا ينتمي لأي جزء فيه ولا يخضع لقواعد ومعايير الأخلاق، بحسب مدير مركز العلوم النفسية PSC.

مصدر الخبر

– الجورنال aljornal.com المصدر: جريدة اخبار قنا

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Powered by Live Score & Live Score App
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock